المقالات

حينما تسقط القداسة عن النخب.. من صناعة الهولوكوست إلى فضيحة إبستين..!


لم يكن نورمان ج. فينكلشتاين بصدد إنكار الهولوكوست، بل كان يخوض معركة أخلاقية أخطر هي معركة كشف تحويل المأساة إلى أداة سلطة.

في كتابه صناعة الهولوكوست لم يُهاجم الذاكرة، بل هاجم من احتكروها، ولم يمسّ الضحايا، بل فضح من استثمروهم.

ولهذا تحديدًا صار هدفاً للتشويه، ووُصم بـ“اليهودي الكاره لليهود”، ومُنع من دخول إسرائيل، لأن جريمته كانت كسر الاحتكار الأخلاقي.

سنوات لاحقة، جاءت وثائق جيفري إبستين لا لتناقض أطروحة فينكلشتاين، بل لتمنحها بعداً واقعياً صادماً. لم يعد الحديث عن نخب محصّنة مجرّد تحليل أكاديمي، بل صار أسماءً، وصوراً، وشبكات نفوذ تضم سياسيين، وأمراء، ورجال مال، وإعلام، واستخبارات.

النخبة نفسها التي ترفع راية القيم وحقوق الإنسان، تبيّن أنها تدير في الظل أكثر شبكات الاستغلال انحطاطاً.

التقاطع بين فينكلشتاين وإبستين ليس شخصياً، بل بنيوياً. الأول فكك خطاب “القداسة السياسية”، والثاني كشف ممارستها الفعلية.

فينكلشتاين قال إن المظلومية حين تتحول إلى رأس مال سياسي تصبح سلاحاً لإسكات الضحايا الجدد، ووثائق إبستين أظهرت كيف تتحول السلطة حين تُحصَّن أخلاقياً إلى رخصة مفتوحة للجريمة.

في الحالتين، نحن أمام آلية واحدة:

نخب فوق المحاسبة ونخب تصنع لنفسها دروعاً أخلاقية، مرة باسم الهولوكوست، ومرة باسم الليبرالية، ومرة باسم الأمن القومي، بينما تُرتكب أبشع الانتهاكات بعيداً عن الضوء.

الفارق أن فينكلشتاين كشف الخديعة بالكلمة والتحليل، بينما إبستين أسقط القناع بالفضيحة.

الأخطر في الأمر أن الهجوم على فينكلشتاين لم يكن دفاعاً عن الضحايا، بل دفاعاً عن الامتياز. فحين تُقدَّس النخب، تصبح الذاكرة أداة قمع، وتتحول الأخلاق إلى سلاح سياسي، ويُعاد إنتاج الظلم باسم مناهضته.

وهذا ما يجعل من نقد “صناعة الهولوكوست” ضرورة أخلاقية، لا جريمة فكرية.

فضيحة إبستين لم تكن استثناءً، بل كانت لحظة انكشاف ولحظة قالت فيها الوقائع ما قاله فينكلشتاين قبل عقود وهي إن أخطر ما في النظام العالمي المعاصر ليس غياب القيم، بل احتكارها من قبل من لا يلتزمون بها. وحين تُحتكر الأخلاق، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من ارتكب الجريمة؟ بل: من يملك القدرة على دفنها؟

بهذا المعنى، لم يكن نورمان فينكلشتاين صوتاً شاذاً، بل جرس إنذار مبكر.

وما وثائق إبستين إلا الدليل المتأخر على أن العالم الذي يمنح نفسه صك البراءة الأخلاقية، هو نفسه العالم الأكثر قابلية لارتكاب الجرائم… ثم تسميتها “قضايا فردية”.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
فيسبوك