المقالات

على تخوم النار والذاكرة..!

122 2026-01-21

علي جاسب الموسوي ||

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

صدق الله العلي العظيم.

أولا: على حدود العراق… مسرح قديم بأقنعة جديدة

ما جرى أمس، وما سبقه بيومين، وما يُراد له أن يتكرس اليوم على طول الشريط الحدودي السوري–العراقي، ليس حدثا عابرا ولا ثغرة أمنية بريئة. كسرُ السجون وإخراجُ بقايا (دا١عش) من أقفاصها، وتحريكها باتجاه تخوم العراق، يُقرأ كفصل جديد من سيناريو مُعاد إنتاجه بإخراج أمريكي–صهيوني، وبديكور ماسوني تركي واضح الغاية وإن التبس الأسلوب.

الهدف ليس (إدارة فوضى) فحسب، بل محاولة محسوبة لضرب محور تشكل بالدم والتجربة: محور بغداد–طهران–بيروت .. يريدون قطع هذا الخيط من أطرافه عبر استنزاف الحدود، وإثارة القلق، وخلق صورة مفادها أن النار ما زالت كامنة تحت الرماد.

غير أن التاريخ القريب ليس ببعيد، ومن يقرأه بإنصاف يدرك أن العراق اليوم ليس عراق ما قبل 2014. نحن أمام عراق الفتوى، عراق الحشد الشعبي، عراق المرجعية، وعراق الدولة التي تعلمت من ندوبها .. أكثر من ستمائة كيلومتر من الحدود الغربية تحولت من فراغ ملتهب إلى خطّ تماس مضبوط بإرادة متعددة الأذرع: الجيش، والشرطة، وحرس الحدود، وحشدنا الذي كان ومازال القلعة يوم انهارت الأسوار.

والتاريخ هنا ليس ذاكرة صامتة، بل شاهد حي يعلم الأجيال كيف تُصنع الحدود بالدم والإرادة … فكما أخبرنا التاريخ وعلمنا، فإن الضربات العلوية العراقية عبر القرون باتجاه بلاد الشام كانت دائما ذات أثر قاطع يشهد له القاصي والداني؛ إذ لم تكن حركة عسكرية عابرة، بل فعلا استراتيجيا لكسر الطوق وإسقاط الوهم …

ومن يقرأ صفحات الصراع بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعاوية عليه اللعنة يدرك أن هذا القيد الشامي لطالما كُسر بيد الحق، وأن الإمام لم يتردد يوما في ضرب منابع التمرد وإبادة جيوشه حين اقتضى الواجب وحكمت الضرورة … إنها ذاكرة تاريخية تُذكرنا أن العراق، حين يمتلك قراره وقوته، لا يُحاصر بل يَفك الحصار، ولا يُستنزف بل يُسقط مشاريع الاستنزاف من جذورها.

الضربات العراقية السابقة على أوكار الإرهاب –في العمق السوري حين اقتضى الواجب– لم تكن رسائل سياسية فقط، بل بيانات ميدانية مُرقمة على الأرض .. ولهذا، فطمأنينة الناس ليست دعوة إلى الغفلة، بل ثمرة ثقة راسخة: ناموا واطمئنوا، وامضوا في أعمالكم وحياتكم اليومية ببساطة وثبات، لأن على التخوم رجالا لا ينامون إلا بعد أن ينام الوطن.

ثانيا: إيران… جغرافيا لا تُستعجل وتاريخ لا يُستفز .. وبالنفس ذاته، وبالخيط التحليلي نفسه، يتكشف الفصل الثاني من المشهد: واشنطن وتل أبيب –على ما يبدو– لم تقرآ التاريخ جيدا، ولم تُحسنا قراءة الحضارة الإيرانية لبلاد فارس قراءة عميقة تتجاوز العناوين السطحية.

تاريخ الشرق الأدنى القديم غالبا ما كان محكوما بجغرافيات محدودة، بينما تمتلك إيران جغرافيا تاريخية واضحة للعيان ومخفية في آن واحد : هضبة مترامية تتجاوز مساحتها مليونا وستمائة ألف كيلومتر مربع، تربط آسيا الوسطى بالخليج، وتصل الأناضول بالهند عبر طرق عمرها أكثر من ألفين وخمسمائة عام.

هذه الحضارة ليست بدوية الطابع، ولا طارئة على الزمن. من الأخمينيين إلى الساسانيين، مرورا بالمدرسة الشيعية في قم ومشهد، نشأت دولة ذات نفس طويل، وإدارة مركزية متجذرة، وثقافة صبر نادرة .. لم تكن قوتها يوما في السلاح وحده، بل في الاستمرارية، والذاكرة، والقدرة على امتصاص الصدمات وإعادة تشكيلها.

لهذا، فإن رهان القوة العارية على إخضاع إيران رهان قصير النظر؛ فـ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. لا الجغرافيا تسمح بالانكسار السريع، ولا التاريخ يسمح بالنسيان، ولا المجتمع يسمح بالتفكك أمام الضغط الخارجي.

وخلاصة قولنا… خيط واحد بين الجبهتين

بين حدود العراق السورية الملتهبة ومحاولات استنزاف إيران، خيط واحد: إدارة الفوضى بدل إدارة السياسة .. لكن المعادلة تتغير حين تقف دول ذات ذاكرة، وشعوب ذات عقيدة، وقوى أمنية ذات تجربة.

على تخوم العراق يقف من يحمي اليوم كي نعيش غدا، وفي عمق إيران يقف تاريخ حضاري متقدم ومتمدن يحمي المستقبل من الطيش .. ومن يفهم هذه المعادلة يدرك أن المعركة ليست لحظة، بل مسار؛ وليست صداما عسكريا فحسب، بل صراع إرادات.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
فيسبوك