المقالات

بين المساواة والتمييز.. قراءة في (نظرية حق المواطنة) بالتراث الإسلامي

1312 2025-08-08

كتب د. معن بن علي الدويش الجربا - باحث في الشأن العربي والإسلامي

نظرية حق المواطنة، نتاج فكري إنساني تفتخر به الثقافة الغربية اليوم، وتعتبره من أهم المنجزات الحضارية التي أفرزتها تلك الثقافة خلال القرنين الماضيين، حيث يقوم حق المواطنة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الانتماء الديني أو العرقي أو المذهبي أو أي اعتبارات أخرى، فالمواطن هو محور الارتكاز الذي تدور حوله كل الحقوق والواجبات في نظرية حق المواطنة.

وإذا كنا منصفين، فإن الحضارة الغربية يحق لها أن تفتخر بهذا الإنجاز الحضاري الذي كرَّم الإنسان؛ لأنه (إنسان فقط) ولأنه (مواطن فقط). ولكن إذا كنا منصفين أكثر، فيجب أن نعود بالتاريخ إلى أكثر من ألف وأربعمائة سنة، عندما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة وأبرم ما يُعرف بـ(وثيقة المدينة)، التي تُعد دستورًا متطورًا وسابقًا لكل العصور بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فقد حفظت هذه الوثيقة حقوق المواطنين على أساس حق المواطنة، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس.

كانت هذه الوثيقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سكان يثرب، التي كان بها نحو عشرة آلاف شخص، منهم (1500 مسلم) و(4000 يهودي) و(4500 مشرك). سنلاحظ هنا أن أطراف هذه الوثيقة كانوا من مختلف الأديان والأعراق والأجناس، إذ فيهم (المسلم واليهودي والمشرك)، وفيهم (العربي والفارسي والرومي والحبشي)، وفيهم (الذكور والإناث).

ورغم ذلك، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أبرم هذه الوثيقة على أساس (حق المواطنة) وعلى أساس المساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس.

على سبيل المثال، ورد في البند الأول من الوثيقة أن (اليهود أمة مع المسلمين)، أي أنهم مواطنون مثل المسلمين. كما ورد في البندين الثالث والرابع أن (أطراف الوثيقة عليهم النصر والعون والنصح والتناصح والبر من دون الإثم)، أي العيش المشترك والتعاون. كذلك أكدت الوثيقة في بندها الحادي عشر أن (الدفاع عن المدينة مسؤولية جميع الأطراف الموقِّعين على الوثيقة)، أي الحقوق مقابل الواجبات. كما أكدت بنود الوثيقة على (روح العدل والمساواة بين أطرافها)، أي عدم التمييز.

وهنا يجب أن نقف وقفة تأمل: فإذا كان حق المواطنة قد أقره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، فما بال بعض الدول العربية والإسلامية اليوم قد تخلت عن هذا المبدأ، وأخذت تميز بين مواطنيها تارة على أساس العرق بين عربي وغير عربي، وتارة على أساس الجنس بين رجل وامرأة، وتارة على أساس الجهات بين شمالي وجنوبي وشرقي وغربي، وبلغ الأمر أوج خطورته عندما أصبح التمييز بين المسلمين على أساس الانتماء المذهبي. فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد ساوى بين المسلم واليهودي في حق المواطنة، أليس من الأولى أن نساوي نحن بين المسلمين في هذا الحق؟ إنه من العار والإثم والخطيئة حقًا أن يكون التمييز بين المواطنين على أساس مذهبي أو عرقي أو مناطقي... إلخ.

ويجب أن نواجه أنفسنا بسؤال محرج، وأن نكون صادقين في المواجهة: لماذا تخلى المسلمون عن هذا المبدأ العظيم الذي أقره الرسول الأكرم في وثيقة المدينة؟ ولماذا تركوا هذا السبق الإسلامي الحضاري الكبير لكي يقدمه الآخرون للإنسانية كمشروع ثقافي وسياسي وإنساني خاص بهم، بعد أن سرقوا التراث الفكري للعرب والمسلمين خلال حملاتهم الصليبية، رغم أن الإسلام هو صاحب هذا المشروع الإنساني والحضاري قبل ما يزيد على خمسة عشر قرنًا؟ من يتحمل هذه الجريمة الكبرى؟!

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
Dhia Taher : السيد الوزير الطاقة في بريطانيا عندما لا تتوفر قوانيين دولية لدى امريكا وإسرائيل تلجا امريكا ومعھا إسرائيل ...
الموضوع :
بريطانيا: لن نشارك في حرب لا أهداف واضحة لها وخطتنا خفض التصعيد
Dhia Taher : استاذ انت مريض بالاخبار يقولون عليك لديك رعشھ مثل جورج دبليوا بوش الصغير ...
الموضوع :
وزير الحرب الأمريكي: نعمل وفق خطة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية
سامي جواد : نسيت ان انبه ان حتى الدولة العثمانية المستبدة هي أيضا من أوربا ...
الموضوع :
تاريخ اسود للارهاب الاوربي في الوطن العربي
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
فيسبوك