المقالات

الكتابة عمل وليس تنظير فقط

2416 2016-01-13


منذ خمس سنوات، وعلى مدى خمسة ايام في الاسبوع، اقوم بكتابة افتتاحية قصيرة ومركزة تتناول شأنا من شؤون الساحة.. كتبت وانا خارج المسؤولية، وكتبت واكتب وانا في المسؤولية.... وتلقيت واتلقى الكثير الكثير من الردود بين منتقد ومؤيد ومعلق، وصولاً الى السباب والشتائم، والتي تأتي عموماً من جهال لا وجه ولا اسم لهم، هم اساساً اعداء انفسهم: فـ"الانسان عدو ما يجهل".

اثار البعض اشكالية لها مداليلها فيقول.. اذا كان المسؤول التنفيذي ينتقذ وينظّر، فمن سيعمل وينفذ اذن؟ وهذا سؤال وجيه، يعكس جزءاً كبيراً من فهمنا الخاطىء للواقع. فخلاف ما يعتقده البعض من اننا نعيش تخمة تنظير، نرى اننا نعيش الكثير من حشو الكلام، والركض المتعب المتواصل في حلقة مفرغة.. وقليل جداً من التنظير بشرطه وشروطه، ومن الاعمال المنتجة الناجحة.. فالتنظير هو طرح المشكلة كما هي عليه، خارج اي الاسقاطات الذاتية.. وبناء رؤية او نظرة تقدم الحلول والمواقف الصحيحة. فلطالما قيل.. ان الاسئلة الصحيحة، هي نصف الحل.

يعتقد البعض ان المسؤول واجبه العمل وليس التنظير. وهذا غير دقيق.. فالعمل والتنظير متلازمان في الظروف الطبيعية، فما بالك بظروف استثنائية تراكمت فيها المفاهيم والممارسات السلبية لفترات طويلة. فما يؤسف له، ان مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية ومراكز القرار لم ترتق بعد لرسم سياسات متكاملة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هي تصدر قرارات، وتتخذ مواقف، في جزء كبير منها ردود افعال، واعادة انتاج الجمود والسلبيات، اكثر مما هي خطط مدروسة وعارفة بكل شروط التقدم والنجاح.

فلم نطور تقاليد عمل كاملة، كما اننا لم نبن مؤسسات جدية ومهنية كفاية لرسم سياسات، وتطبيق خطط تتسم بالنضج والثبات والاستمرارية والمراجعة. فالمطالبات ما زالت تتكلم اكثر عن اشخاص مستقلين او تكنوقراط او كفوءين او نزيهين، اكثر من بناء مؤسسات كفوءة نزيهة راسخة، وكأن الاشخاص –مهما كانت صفاتهم- قادرين على الاداء الصحيح في ظل غياب المؤسساتية المطلوبة، والتي سيبقى غيابها –الجزئي او الكلي حسب الحالات- سر الفشل والضعف الذي عانته وتعانيه بلداننا في الكثير من المساحات والاعمال. صحيح ان المسؤول واجبه بناء مثل هذه المؤسسات، لكنه يعجز عن القيام بذلك دون ولادة عقل جمعي في قلب مراكز الحل والعقد، عازم على بناء هذه المؤسسات.. وواجب المسؤول السعي لتوليد ذلك، ولسد اكبر مساحة من الفراغ النظري والمفاهيمي الذي بدونه لن تبنى لا المؤسسات ولا الاعمال الناجحة.

هناك صراع قد لا يراه البعض يجري بين المسؤول والرأي العام ومراكز القرار التشريعية والتنفيذية والقانونية والقضائية والرقابية.. وكذلك بين المسؤول ومحيطه الذي يعمل فيه، وما يُقترح من افكار للانجاز والتجديد والتي قد تعارضها بعض العقول التي تقولبت على الافكار التي برهنت التجربة فشلها، او التي لا تمتلك القدرة لاستيعاب الافكار الناجحة. ففي احيان كثيرة لا تنفع الشروحات والمذكرات الداخلية فيلجأ المسؤول للشرح علناً لاحداث الضغط اللازم لترويج الافكار والسياسات التي يؤمن بها.. فان كانت خاطئة فقد يصوبها النقد والبرهان المضاد.. وان كانت ناقصة فقد تكملها الشروحات والمساهمات.. وان كانت صحيحة فستوفر قناعات وبيئة تحاصر الافكار الجامدة، وتتجاوز الروتين، وتتسلل الى الوعي والعقول، لتساهم في بناء العقل المؤسساتي والسياسات الناجحة، او بعضها.. يساعدها في ذلك الازمات المتكررة والظروف الصعبة، التي تحطم اي عناد يقوم على الاخطاء واعادة انتاج السياسات الفاشلة.

ففي عراق اليوم لا مكان "لقائد الضرورة" الذي يستطيع تنفيذ افكاره ورغباته، فتطاوعه الدوائر، وتفتح امامه كل الابواب.. على العكس فان ازاحة الدكتاتورية وضعتنا امام مهمة قاسية.. تتمثل ببناء العقل والممارسة المؤسساتية، القادر على صناعة وانتاج السياسات الصحيحة المدروسة التي تساند المسؤول وتوفر له عوامل النجاح.. فالمسؤولون يأتون ويذهبون.. اما المؤسسات وعملها فباقية، وتتطور باستمرار، لتتطور معها البلاد.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
Dhia Taher : السيد الوزير الطاقة في بريطانيا عندما لا تتوفر قوانيين دولية لدى امريكا وإسرائيل تلجا امريكا ومعھا إسرائيل ...
الموضوع :
بريطانيا: لن نشارك في حرب لا أهداف واضحة لها وخطتنا خفض التصعيد
Dhia Taher : استاذ انت مريض بالاخبار يقولون عليك لديك رعشھ مثل جورج دبليوا بوش الصغير ...
الموضوع :
وزير الحرب الأمريكي: نعمل وفق خطة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية
سامي جواد : نسيت ان انبه ان حتى الدولة العثمانية المستبدة هي أيضا من أوربا ...
الموضوع :
تاريخ اسود للارهاب الاوربي في الوطن العربي
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
فيسبوك