دراسات

المُقدّسُ الشّيعيُّ

276 2021-01-21

 

أ.د.عليّ الدّلفيّ||

 

يمثّلُ مفهومُ الثّنائياتِ الصّوريّةِ الضّدّيّةِ في جوهرهِ في أيِّ مجتمعٍ منِ المُجتمعاتِ كما صاغهُ العالمُ السّويسريّ الفذّ (فرديناند دي سوسير): الرؤيةَ الثّنائيّةَ المُزدوجةَ للظّواهرِ، وإدراج هذهِ الظواهرِ في سلسلةٍ من المقابلاتِ الثّنائيّةِ؛ للكشفِ عن علاقتها التي تحدّدُ طبيعتها وتكوّنها، فهي تخلقُ التّوازنَ والتّآلفَ بينَ الصّفاتِ المُتضادّةِ أوْ المتضاربةِ في مجتمعٍ ما. وتوفّق بينَ (المُقدّسِ) و(المُدنّسِ)؛ والمُؤتلفِ والمُختلفِ؛ والعامِّ والمحدودِ؛ والمحسوسِ والفكرةِ والصّورةِ؛ والفردِ والنَّموذجِ.

وهذا (التّقابلُ الضّدّيُّ) هو ما يمثّلُ (جوهرَ المعرفةِ الإنسانيّةِ)؛ وبدونهِ تبدو لنا غير منسجمة"؛ كما يحدثُ؛ الآن؛ في الحياةِ الإجتماعيّةِ اليوميّةِ في العراقِ!

ومنَ المعلومِ لنا جميعًا أنَّ العلاقاتِ بأنواعها المُتعدّدةِ يصنعها الإنسانُ بينَ كلِّ الثّنائيّاتِ الضّدّيّةِ في الحياةِ؛ بحيث يكونُ الإنسانُ مركزَ الكونِ.

وإنَّ العلاقةَ العدائيّةَ بينَ اللهِ والشّيطانِ أساسها الإنسان، فلو لَمْ يخلقْ الله الإنسانَ ما انحرفَ إبليس (الشيطان)؛ وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى هذهِ الجدليّةِ.

وعلى اعتبارِ أنَّ الله أصلُ كلِّ خيرٍ، والشّيطانَ أصلُ كلِّ شرٍّ من النّاحيةِ النّظريّةِ، فكلّ ثنائيّةٍ متعارضةٍ إنّما هي فرعٌ عن الثّنائيّةِ الأصليّةِ، النّور خير، والظلام شرّ، الحقّ خير، والباطل شرّ... وهكذا.

والإنسانُ؛ بطبيعةِ الحالِ؛ هو الصّلةُ بينَ هذهِ المتضادّاتِ...

وهذا ما ذهبَ إليهِ عالمُ الاجتماعِ السّويسريّ (إميل دوركايم)، وقد حدّدَ علاقةَ العداءِ بين (المقدّسِ) وضدّه (المُدنّسِ) في كتابهِ (الأشكالُ الأوليّةُ للحياةِ الدّينيّةِ)؛ إذْ يرى أنَّ (المُقدّس) وضدّه (المُدنّس) لا يجتمعانِ؛ إطلاقًا؛ في مكانٍ واحدٍ أو بيئةٍ ثقافيّةٍ واحدةٍ؛ إلّا في حالةِ توقّفِ موازينِ العقلِ الفكريّةِ عندَ الفردِ والمُجتمعِ؛ وهذهِ الحالةُ لا تحدثُ يوميًّا! وليس فجأةً!! وإنّما يتمُّ التّخطيطُ إليها مسبقًا! كتهيئةِ الأرضيّةِ المناسبةِ عنِ طريقِ الإعلامِ المُنظّمِ المؤدلجِ؛ واستغلالِ فشلِ السّلطةِ في توفيرِ بيئةٍ اجتماعيّةٍ صالحةٍ للعيشِ بالاعتمادِ علىٰ موروثاتٍ اجتماعيّةٍ!! ويبقى عاملُ (الغزو الثقافيّ والاجتماعيّ) المؤثّرَ الأهمَّ في ذلكَ كلّهِ؛ أوْ هذا ما نراهُ؛ الآن؛ في المُجتمعِ العراقيّ.

وقد يسألُ سائلٌ! ما الهدفُ من خلطِ هذهِ الثّنائياتِ الصّوريّةِ الضّدّيّةِ معَ بعضها؟

أقولُ: إنَّ (المُقدّس) في تصوّرهِ متماثلٌ معَ الدّينيّ، لذا فهو مميّزٌ بالتعالي عنْ حياةِ الأفرادِ، وهو الوجهُ المفازُ والمتعالي لحياةِ الجماعةِ الدّنيويّةِ؛ وبسببِ سماتهِ وخصائصهِ تلكَ لا يستطيعُ التّعايشَ معَ ما يعارضهُ ويهدمهُ؛ وهو (المُدنّسُ).

ويرى (دوركايم)؛ أيضًا؛ أنَّ (المُقدّسَ) هو كلُّ ما تقومُ بهِ النّواهي الدّينيّة لحمايتهِ وعزلهِ. أمّا (الأشياءُ المدنّسةُ)؛ فهي تلكَ التي تنطبقُ عليها هذهِ النّواهي، والتي يجبُ أنْ تبقى بعيدةً عن الأشياءِ الأولى.

و(الأشياءُ المقدّسةُ) يجبُ أنْ تنفصلَ؛ تمامًا؛ عنِ (الأشياءِ المُدنّسةِ) وليس ذلكَ حسب؛ وإنّما تبعدُ عنْ كُلِّ ما  بصلةٍ منْ بعيدٍ أو منْ قريبٍ بالمُدنّسِ. والحياة الدنيويّة يجب ألاّ تتدخّل بأيّ شكلٍ منَ الأشكالِ في الحياةِ الدّينيّةِ. للمحافظةِ على الموازينِ الفكريّةِ والدّينيّةِ والاجتماعيّةِ بالاعتمادِ على القيمِ العاليةِ: الموروثةِ، والبيئةِ، والمجتمعِ.

إذنْ يتّضحُ مِمّا تقدّمَ أنّ وجهةَ نظرِ (دوركايم) تتّسقُ معَ ما تذهبُ إليهِ الثّقافةُ الشّعبيّةُ، من أنّ الطّاهرَ لا يلتقي معَ النّجسِ؛ والمُقدّسِ لا علاقةَ لهُ بالمُدنّسِ.

وبناءً على ما ذهب إليه (دوركايم) يمكنُ أنْ نتحدّثَ؛ نحنُ الشّيعة؛ في ضوءِ (الزّمانِ؛ والمكانِ؛ والبيئةِ) عنِ المعجزاتِ والكراماتِ باعتبارها تجليّاتٍ للمُقدّسِ، وأكبرُ تجلٍ (للمُقدّسِ) لدينا هو (الإمامُ الحُسين) (عليه السّلام) الذي يقرُّ المذهبُ الجعفريّ بإعجازهِ وقداستِهِ؛ و(كربلاءُ) جزءٌ لا يتجزّأُ منهُ؛ فلفظةُ (كربلاءَ) في الثّقافةِ السّاميّةِ تعني معبدَ الإلهِ؛ وهي أرضٌ مقدّسةٌ وطاهرةٌ مُنْذُ أنْ خُلِقَت؛ لذا لزامًا على الجميعِ المحافظةَ على قداستها وأنْ نبعدَ عنها كلّ ما يدنّسها؛ لأنّ هنالكَ منْ يحاولُ إسقاطَ فكرةِ (المُقدّسِ) منَ الثّقافةِ العراقيّةِ الشّيعيّة؛ لإلغاءِ الهُويّةِ وطمسها إلى الأبدِ... .

إنّ الثّقافةَ الشّيعيّةَ العراقيّةَ لا يمكنُ أنْ تحيا إلّا في ظلِّ (المُقدّسِ)؛ وهذه قناعةٌ بُنِيتْ على أسسٍ معرفيّةٍ (سوسيولوجيّةٍ) لا تحتملُ الخطأ أوْ الوهمَ أوْ الافتراضَ؛ إذْ لا يمكنُ إلغاءُ رمزيّةِ (المقدّساتِ الدّينيّةِ) وسيميائيّتها منَ المذهبِ الشّيعيّ العراقيّ؛ مثل: (العتبات؛ والأضرحة؛ والمرجعيّة الدّينيّة)... .

أخيرًا: إنَّ فكرةَ (المُقدّسِ) راسخةٌ في كُلِّ المجتمعاتِ الإنسانيّةِ العالميّةِ القديمةِ والحديثةِ؛ ولكنْ نجد سيميائيّةَ (المُقدّسِ) هي (الأقدسُ) في مجتمعنا العراقيّ الشّيعيّ؛ لأسبابٍ كثيرةٍ؛ لا يسعُ المقامُ لذكرها الآن.

ــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1754.39
الجنيه المصري 92.85
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 400
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 2.84
دولار امريكي 1449.28
ريال يمني 5.82
التعليقات
لفيف عن مدينة الموصل : السلام عليكم ورحمة ألله وبركاته :- 📍م / مناشدة انسانية لايجاد موقع بديل لمركز شرطة دوميز زمار ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
مواطنة : احسنتم كثيرا ً رحم الله الشيخ الوائلي طريقة الحياة العصرية الان وغلاف الغفلة الذي يختنق فيه الاغلبية ...
الموضوع :
لماذا لا زلنا الى اليوم نستمع لمحاضرات الشيخ الوائلي (قدس)؟!
مواطنة : قصص ذرية الامام موسى ابن جعفر تفوح بالاسى والمظالم ز لعن الله الظالمين من الاولين والاخرين ...
الموضوع :
قصة السيد ابراهيم المجاب … ” إقرأوها “
مواطن : الواقع العراقی یحکی حال اخر للمعلم بکسر المیم ! ...
الموضوع :
كاد المعلم ان يكون..!
صفاء عباس الغزالي : بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم ياكريم وكيف لا وهوه زوج ...
الموضوع :
الامام علي وتكريمه من قبل الامم المتحدة
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم سيدنه المحترم,,نسال الله بحق الرسول ابو القاسم محمد واله الاطهار المطهرين المظلومين ان يلعن اعداء ...
الموضوع :
التاريخ الاسود لحزب البعث الكافر/7..انتصار المظلوم
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نسال الله العزيز الرووف بحق نبينا نبي الرحمة ابو القاسم محمد واله ...
الموضوع :
اصابة اية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض بفايروس كورونا
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكمورحمة الله وبركاته ,, نسال الله عز وجل بحق نبينا ابو القاسم محمد واله الاطهار المطهرين ...
الموضوع :
أعداء العراق يتوحدون ويتحالفون ويعلنون الحرب على العراق والعراقيين
زيد مغير : السيدة الكريمة سميرة الموسوي مع التحية . فقط ملاحظة من مذكرات العريف الان بدليل من الفرقة ١٠١ ...
الموضوع :
بئست الرسالة ،والمرسلة؛ النفاية رغد القرقوز.
طاهر جاسم حنون كاضم : الله يوفقكم ...
الموضوع :
قصة السيد ابراهيم المجاب … ” إقرأوها “
فيسبوك