الصفحة الإسلامية

(كربلاءُ) بينَ التَّقديسِ والتَّدنيسِ!

1863 2021-01-26

 

أ.د علي الدلفي ||

 

 

مِنَ المعلومِ لنا جميعًا أنَّ العلاقاتِ بأنواعِهَا المُتعدّدةِ يصنعها الإنسانُ بينَ كُلِّ الثّنائياتِ الضّدّيّةِ في الحياةِ الإنسانيّةِ بحيثُ يكونُ الإنسانُ مركزَ الكونِ.

وإنَّ العلاقةَ العدائيّةَ بينَ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ والشّيطانِ الغَويّ الرّجيمِ أساسها الإنسانُ؛ فلو لَمْ يخلقِ اللهُ الإنسانَ ما انحرفَ إبليسُ (الشّيطانُ)؛ وقَدْ أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى هذهِ الجدليّةِ.

وعلى اعتبارِ أنَّ اللهَ أصلُ كُلِّ خيرٍ، والشّيطانَ أصلُ كُلِّ شرٍّ مِنَ النّاحيةِ النّظريّةِ، فَكُلُّ ثنائيّةٍ متعارضةٍ إنّما هي فرعٌ عنِ الثّنائيّةِ الأصليّةِ؛النّورُ خيرٌ، والظّلامُ شرٌّ؛ الحقُّ خيرٌ، والباطلُ شرٌّ... وهلّمَ جرّا. والإنسانُ؛ بطبيعةِ الحالِ؛ هو الصّلةُ بينَ هذه ِالمُتضادّاتِ... .

وهذا ما ذهبَ إليهِ عالمُ الاجتماعِ الفرنسيّ إميل دوركايم، وَقَدْ حدّدَ علاقةَ العداءِ بينَ المُقدّسِ والمُدنّسِ في كتابهِ: (الأشكالُ الأوليّةُ للحياةِ الدّينيّةِ)؛ إذْ يرى إميل دوركايم أنَّ المقدّسَ والمدنّسَ لا يجتمعانِ البتّةَ؛ فالمقدّسُ؛ في تصوّرهِ؛ متماثلٌ مع الدّينيّ؛ لذا فهو مميّزٌ بالتعالي عن حياةِ الأفرادِ، وهو الوجهُ المُفارقُ والمُتعالي لحياةِ الجماعةِ الدّنيويّةِ وبسببِ سماتهِ وخصائصهِ تلكَ لا يستطيعُ التّعايشَ مَعَ ما يعارضهُ ويهدمهُ؛ أي: المُدنّس

ويرى دوركايم؛ أيضًا؛ أنَّ المقدّسَ هو كُلُّ ما تقومُ النّواهي الدّينيّةُ بحمايتهِ وعزلهِ. أمّا الأشياءُ المُدنّسةُ فهي تلكَ التي تنطبقُ عليها هذهِ النّواهي، والتي يجبُ أنْ تبقى بعيدةً عن الأشياءِ الأولى.

والأشياءُ المُقدّسةُ يجبُ أنْ تنفصلَ تمامًا عَنِ المُدنّسةِ، ليسَ ذلكَ حسبْ؛ إنّما تبعدُ عن كُلِّ ما يمتُّ بصلةٍ من بعيدٍ أو منْ قريبٍ بالمُدنّسِ. والحياةُ الدّنيويّةُ يجبُ ألاّ تتدخّلَ بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ في الحياةِ الدِّينيّةِ.

يتّضحُ مِمّا تقدّمَ أنَّ وجهةَ نظرِ دوركايم تتّسقُ مَعَ ما تذهبُ إليهِ الثّقافةُ الشّعبيّةُ، مِنْ أنَّ الطّاهرَ لا يلتقي مَعَ النّجسِ، والمُقدّسُ لا علاقةَ لَهُ بالمُدنّسِ.

وبناءً على ما ذهبَ إليهِ دوركايم يمكنُ أنْ نتحدّثَ ؛نحنُ الشّيعةَ؛ عَنِ المُعجزاتِ والكراماتِ باعتبارها تجليّات للمُقدّسِ، وأكبرُ تجلٍ للمُقدّسِ لدينا هو الإمامُ الحُسينُ بنُ عليّ (عليهما السّلام) الذي يقرُّ المُذهبُ الجعفريّ بإعجازهِ وقداستهِ.

و(كربلاءُ) جزءٌ لا يتجزأُ منهُ؛ فلفظةُ (كربلاءَ) في الثّقافةِ السّاميّةِ تعني: معبدَ الإلهِ؛ وهي أرضٌ مُقدّسةٌ وطاهرةٌ مُنْذُ أنْ خُلِقَت؛ وعلينا جميعًا المحافظةُ على قداستها وأنْ نبعدَ عنها كُلَّ ما يدنّسها وألّا يقتصرَ ذلكَ على حفلةٍ غنائيّةٍ ماجنةٍ؛ ومقاهي ليليّةٍ غيرِ مُرخّصةٍ تُباعُ وتُشترى فيها الممنوعاتُ والمُخدّراتُ؛ وحفلاتٍ لعرضِ الأزياءِ. بَلْ لا بُدَّ مِنْ تخليصها من ظاهرةِ الفسادِ الماليّ والإداريّ في كُلِّ مؤسّساتها الحكوميّةِ؛ وتوفيرِ فرصِ العملِ لأبنائها؛ وشيوعِ مبدأِ التّكافلِ الاجتماعيّ... إلخ؛ لتصلَ إلى مستوى (المدينةِ الفاضلةِ) التي حلمَ بها الفيلسوفُ (إفلاطون)؛ فهي مُقترحٌ لـ(مدينةٍ) أساسها الإنسانُ نفسُهُ سواء كانَ مسؤولًا أمْ موظفًا أمْ عاملًا أمْ مراجعًا، كبيرًا أمْ صغيرًا رجلًا أمْ امرأةً، مواطنًا أو مقيمًا؛ وَبِكُلِّ ما تحملهُ كلمةُ (الفاضلةِ) مِنْ معانٍ ساميّةٍ في الشّارعِ؛ وفي العملِ الحكوميّ؛ وفي العملِ الخّاصِّ؛ والأعمالِ التجاريّة، والملاعبِ الرّياضيّةِ، وعندَ المسجدِ، وفي المطاعمِ والأسواقِ... .

في كُلِّ موقعٍ نجدُ أنَّ (القُدسيّةَ) تتجسّدُ فيه؛ وفي كُلِّ وقتٍ وبأرقى صورِهَا.

لهذا أقولُ:

اسرقوا كُلَّ ما لدينا واتركوا لنا كربلاءَ!

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
Dhia Taher : السيد الوزير الطاقة في بريطانيا عندما لا تتوفر قوانيين دولية لدى امريكا وإسرائيل تلجا امريكا ومعھا إسرائيل ...
الموضوع :
بريطانيا: لن نشارك في حرب لا أهداف واضحة لها وخطتنا خفض التصعيد
Dhia Taher : استاذ انت مريض بالاخبار يقولون عليك لديك رعشھ مثل جورج دبليوا بوش الصغير ...
الموضوع :
وزير الحرب الأمريكي: نعمل وفق خطة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية
سامي جواد : نسيت ان انبه ان حتى الدولة العثمانية المستبدة هي أيضا من أوربا ...
الموضوع :
تاريخ اسود للارهاب الاوربي في الوطن العربي
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
فيسبوك