المقالات

أسباب النصر العسكرية و المعنوية

123 2026-05-04

محمد جواد الدمستاني

 

 

 

«وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم»

 

أسباب النصر ليست بالضرورة مادية عسكرية بل تتعدّى السبب العسكري إلى الجوانب المعنوية و الإيمانية، و مؤثرات أخرى لا يمكن إهمالها كالجغرافيا و الموقع الاستراتيجي للبلد، و وحدة شعبه، و طبيعته و سعته و جباله و تضاريسه.

و مسؤولية المؤمن سواء كان شخصا عاديا أو مقاتلا أو قيادةً عسكرية أو سياسية هي السعي لتحقيق النصر و تهيئة مقدماته، و أداء التكليف الشرعي الواجب عليه، و أما النصر نفسه فهو من الله «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» ، و قد وعد به المؤمنين.

 

فالنصر وعدٌ إلهي سيتحقق إن شاء الله، قال تعالى: «إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ» ، فالوعد بالنصر في هذه الحياة الدنيا، و يوم القيامة، و أشهاد جمع شاهد و هم الملائكة و الأنبياء و المؤمنون.

و قال تعالى: «فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» ، و قال أمير المؤمنين (ع) في إحدى خطبه «قَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَ لَا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ، وَ أَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ» .

 

أما أسباب النصر العامة فهي إما:

مادية عسكرية كالإعداد، و القوة، و السلاح

أو معنوية إيمانية كالتقوى، و التوكل، و الصبر و الصدق و اجتماعية كالوحدة و التضامن

 

فالأولى العسكرية كالإعداد و التهيؤ و الاستعداد و القوة و السلاح، و القيادة و طاعتها و الجهاد و التضحية و البذل و الاستشارة، و الصناعة و الاقتصاد، و هذا يشمل كل جزئيات الحرب الظاهرة و المخفية و التكنولوجيا العسكرية، و أنظمة الاتصال و الدفاع، و أنواع الأسلحة المتطورة و هي ما ينصرف إليه من إطلاق أسباب النصر عند عموم الناس، و قد يعدّه البعض تسامحا أو تجاوزا أو غفلة سببا وحيدا للنصر.

فهذا سبب رئيسي في النصر و حسم المعارك فإنّ الحرب تحتاج إلى وقودها من السلاح و العتاد و القوة و عناصر القدرة، و القوى البشرية المقاتلة، كما تحتاج إلى قوة اقتصادية كداعمة قوية للاستمرار في القتال، و خاصة مع الحروب الطويلة فهي بحاجة إلى تمويل و صناعة و إمداد و نقل، و هذا كله يقوى بالاعتماد على الصناعة المحلية و الإنتاج الصناعي الحربي المحلي و هو عامل كبير للنصر و حسم الحروب و إلا سيكون البلد المستورد تحت رحمة المصدِّر و قد يبتزه أشد الابتزاز أو يفرض عليه شروطه، أو يبيعه أسلحة يتحكم في تشغيلها أو شفراتها السرية، و قد تنتهي الحرب بنفاد السلاح أو الذخيرة.

و قد أمر الله بالإعداد و الاستعداد، قال تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ» .

 

و الثانية هي الجوانب المعنوية الإيمانية من اليقين و التقوى، و التوكل على الله و الثقة بالله و نصره، و الثبات، و لهذه الأسباب آثار عظيمة في الحرب، فهذا الجانب المعنوي الإيماني هو دافع حقيقي و صادق للجنود و العساكر و من خلفهم الأمة المؤمنة للقتال و تحقيق النصر، و يتفرع على هذا الإيمان القدرة القتالية و الاستهانة بالموت بطلب الشهادة، كما يتفرع عليه الالتزام بالأوامر و الانضباط العسكري، و يفرز القوة النفسية و الشجاعة القتالية و الثبات كما يفرز قدرة على تحمّل الخسائر البشرية و المادية، و قد ورد ذكر هذه العوامل في الآيات القرآنية، قال تعالى:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» .

و قال تعالى: «وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» ، نصرة الله بالإيمان به و نصرة دينه، و نبيّه، و أحكامه و حدوده.

و «إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ، التوكل على الله و النصر من عنده لا أحد سواه.

و قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور» .

 

و منها العوامل الاجتماعية و الأخلاقية

مثل الوحدة و التضامن و الانسجام و العدل فهي ركائز أخرى داعمة للنصر لأنها تشكّل قاعدة بشرية يعتمد الجيش و القوى المحاربة عليها، فالجانب الأخلاقي في القوى العسكرية من جيش و قوات مساندة تقوى و تندفع نفسيا مع شعورها بالعدل و الصلاح و الاستقامة و عدم الفساد، و يزداد انضباطها و طاعتها للأوامر العسكرية و القتالية و التزامها بالقوانين، و خلاف ذلك من شعور المقاتلين بالفساد و التشتت يسبّب انهيارا نفسيا لديهم، و لهذا يسعى العدوّ إلى إيجاد ثغرات في صفوف الجيش و فئات الشعب و تمزيق وحدته لعلمه بتأثير هذا الجانب في انهيار الدول دون الحاجة إلى المعارك العسكرية.

و التضامن الداخلي يزداد في العادة بين الناس أثناء الحروب إذ يشعرون أنهم جميعا مهددون و عليهم بالدفاع و التكاتف و التضامن و مساعدة بعضهم بعضا و خاصة المتضررين و الجرحى و عوائل الشهداء، و كذلك استمرارهم في الإنتاج و العمل و رفد الجبهات بها إلا أنّ ذلك لا يمثل كل الناس فمنهم من يستغل الحرب لمصالحه الخاصة.

 

فمنها الوحدة و الاجتماع و الإئتلاف:

الوحدة الاجتماعية هي العامل الرئيسي في تماسك الفئات الشعبية و منع انهيار الجبهة الداخلية، و حيث توحّد الشعب أو الأمة مقابل العدوّ و أَمِنَ من الصراعات الداخلية تركزت جهوده على العدوّ الخارجي، فوحدة الشعب و دعمه للقوى المقاتلة بمختلف تشكيلاتها هي أحد أسباب النصر فمتى ما كان متحدا و منسجما مع الحرب و المعارك كان أقدر على الصمود و النصر و دعم المقاتلين و تحويل ميزان القوى لصالحه، و متى ما كان متفرقا و منقسما كان أقرب للهزيمة و الفشل، و بالتفرق يقلّ الدعم الشعبي و تظهر الصراعات الداخلية، و تنتشر الإشاعات و تقوى الانقسامات المخفية، و هذا العامل كثيرا ما يعوّل عليه العدوّ و يسعى جاهدا لإفشاله بإيجاد الانقسامات في كل الاتجاهات من عرقية و قومية و دينية و ثقافية، و يبث أموالا طائلة لأجله و يشتري ذمما للعمل ضده، لعلمه بأهميته في حسم المعارك و الحروب، و قد أمر الله تعالى في كتابه بالوحدة و عدم التنازع، قال الله تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» . الطاعة و الوحدة و الصبر.

 

و منها الصدق:

الصدق في تطبيق دين الله و الجهاد في سبيله و بذل المال و النفس عامل عظيم من أسباب النصر الذي ينزله الله على المؤمنين الصادقين بصدقهم، و يكافئهم بنصر مؤزر و بفتح مبين، و الصدق يشمل حسن النية و إخلاصها، و كون الدافع الأساس للجهاد هي الأوامر الإلهية دون رياء أو مصالح شخصية، و العمل بالأحكام الشرعية اللازمة، و طاعة القيادة الربانية، و الالتزام بالعهود و المواثيق، و صدق القادة و الجنود مع بعضهم و صدقهم في أهدافهم، و الاستعداد الكامل للتضحية و الشهادة، قال تعالى: «مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ»

و يصف أمير المؤمنين (ع) في إحدى خطبه قبل لقاء القوم بصفين المسلمين في عهد رسول الله (ص) بصدقهم حتى استقر و انتشر الإسلام، قال (ع): «فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ» .

 

و منها الصبر:

الصبر أحد العوامل المهمة الحاسمة في تحقيق النصر و إن لم تكن أوضاع المعارك في بداياتها لصالح الصابرين، فالصبر بالقدرة على التحمّل و الاستمرار في القتال يُنهك العدوّ و يستنزف قدراته، و جهاته متعددة من الصبر على مكروهات الحرب و آثارها، إلى الصبر على أعداد الشهداء و الجرحى، و ضخامة التضحيات، و الخسائر المادية من بيوت و بنية تحتية عسكرية و مدنية، و الصبر على المشاكل الاقتصادية حيث تثقلها الحروب، و الصبر على جميع الشدائد و الصعوبات المتوقعة و الطارئة في الحروب، و هذه الصفات من الصبر هي رأس الإيمان، و تزداد أهمية الصبر مع ازدياد مدة الحروب التي لا تٌقاس بالجولة الأولى بل بخواتيمها التي هي في الغالب تكون لصالح الصابرين المحتسبين، و قد ذكر الله سبحانه و تعالى غلبة الصابرين و عظمة الصبر، قال تعالى:

«إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ» .

و «كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» .

و «وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» .

و رُوي عن رسول الله (ص) قوله: «فَإِنَّ فِي اَلصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً، وَ إِنَّ اَلنَّصْرَ مَعَ اَلصَّبْرِ» ،

و عن أمير المؤمنين (ع): «فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ وَ إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَ الْمَعُونَةِ» .

و عن أمير المؤمنين (ع): «لا يَعدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ، وإن طالَ بهِ الزمانُ» ، و «الصَّبرُ كَفِيلٌ بالظَّفَرِ» .

 

فإذا توفرت هذه الأسباب في جهة من دولة أو حزب أو مجموعة مسلحة أو فصيل مقاتل أو مجموعة مؤمنة مجاهدة فاعلم بأنّ النصر حليفها مهما كان العدوّ مُفَخَما في قوته العسكرية و غطرسته، و مهما كان تهويله و ضجتّه الإعلامية، فإن النصر حليفُ المؤمنين الصادقين الصابرين.

 

نختم بمقطع من دعاء أمير المؤمنين عليه السلام المروي في نهج البلاغة في الخطبة 171 لما عزم على لقاء القوم بصفين، قال (ع): «اللَّهُمَّ...إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ، وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ وَ اعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ».

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
Dhia Taher : السيد الوزير الطاقة في بريطانيا عندما لا تتوفر قوانيين دولية لدى امريكا وإسرائيل تلجا امريكا ومعھا إسرائيل ...
الموضوع :
بريطانيا: لن نشارك في حرب لا أهداف واضحة لها وخطتنا خفض التصعيد
Dhia Taher : استاذ انت مريض بالاخبار يقولون عليك لديك رعشھ مثل جورج دبليوا بوش الصغير ...
الموضوع :
وزير الحرب الأمريكي: نعمل وفق خطة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية
سامي جواد : نسيت ان انبه ان حتى الدولة العثمانية المستبدة هي أيضا من أوربا ...
الموضوع :
تاريخ اسود للارهاب الاوربي في الوطن العربي
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
فيسبوك