تتردّد في الأوساط السياسية والإعلامية تسريبات عن دعوة قادة أكثر من ستين دولة للانخراط في ما يُسمّى «مجلس السلام لإدارة غزة». وبغضّ النظر عن دقة التفاصيل أو توقيت الإعلان، فإن مجرّد تداول هذا السيناريو يكشف عن اتجاه تفكير خطير يتجاوز غزة بوصفها أزمة إنسانية، ليطال جوهر القضية الفلسطينية ومعناها السياسي.
غزة ليست عبئاً إنسانياً فحسب، بل عقدة استراتيجية. فهي تمثّل:
رمز الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي في صورته العارية،
مساحة مقاومة مسلّحة لم تنجح إسرائيل في إخضاعها سياسياً،
وهي نقطة تماس إقليمي ودولي تطل على المتوسط وتجاور مصر وإسرائيل.
السؤال الحقيقي ليس: كيف تُدار غزة؟ بل: كيف يُعاد تعريف غزة سياسيًا بعد الحرب؟
إشراك عشرات الدول في إدارة غزة لا يعكس رغبة في السلام بقدر ما يشير إلى تفتيت المسؤولية السياسية والأخلاقية،
وتدويل كلفة الإعمار دون تدويل القرار الحقيقي، وإضفاء شرعية دولية على ترتيبات صيغت مسبقًا خارج الإرادة الفلسطينية.
تجارب الوصاية الدولية في مناطق النزاع أثبتت أن كثرة الأطراف لا تعني عدالة الحل، بل غالباً تعني غياب المحاسبة.
لماذا العالم يجب أن يكون بقيادة ترامب؟
ان الدفع باتجاه قيادة أمريكية – أو رمزية ترامب تحديداً – ليس تفصيلاً عابراً. فترامب يمثّل نمطاً سياسياً يقوم على الصفقات لا القوانين،
موازين القوة هي الطاغية لا الشرعية الدولية، والتطبيع دون ربطه بالحقوق الفلسطينية.
في هذا السياق، تُعامل غزة كملف أمني–إداري، لا كجزء من قضية تحرر وطني.
ان انتزاع السلطة من الفلسطينيين هو جوهر المسألة وأخطر ما في هذا الطرح ليس إقصاء فصيل بعينه، بل نزع الفكرة السياسية الفلسطينية نفسها.
اما إدارة غزة دولياً تعني عملياً
تعليق السيادة الفلسطينية،
وتحويل الشعب الفلسطيني من صاحب حق إلى متلقّي مساعدات،
واختزال القضية في بعدها الإنساني وإلغاء بعدها السياسي.
حتى السلطة الفلسطينية، في هذا التصور، ليست شريكاً سياسياً بل جهازاً إدارياً يمكن تجاوزه.
إسرائيل لا تبحث عن «سلام» بالمعنى التاريخي، بل عن غزة بلا سلاح، وغزة بلا سيادة، وغزة منفصلة عن الضفة الغربية،
وإدارة لا تُحمّلها مسؤولية قانونية أو أخلاقية، وكذلك واقع طويل الأمد يمنع ولادة مقاومة جديدة.
أي اتفاق مع واشنطن يدور في هذا الفلك، هدفه ليس إعادة إعمار غزة، بل إعادة هندسة مستقبلها السياسي والأمني.
مجلس سلام أم مجلس وصاية؟
التسمية المعلنة قد تكون «مجلس سلام»، لكن المضمون أقرب إلى وصاية دولية حديثة، أو انتداب جديد بواجهة متعددة الجنسيات. سلام بلا عدالة، وإدارة بلا سيادة، واستقرار يقوم على كسر الإرادة لا على معالجة جذور الصراع.
ما يُراد لغزة، وفق هذا التصور، هو إخراجها من معادلة التحرر الوطني وإدخالها في معادلة الإدارة الدولية. غير أن التاريخ الفلسطيني، ومعه تجارب الشعوب، يقول إن القضايا العادلة لا تُصفّى عبر اللجان، ولا تُدار إلى الأبد دون إرادة أصحابها. غزة، رغم الدمار، لا تزال سؤالاً سياسياً مفتوحاً، وكل محاولة للإجابة عليه خارج هذا الإطار، ليست حلاً… بل تأجيلاً لانفجار أكبر.
https://telegram.me/buratha

