حين يقول دونالد ترامب: «لا أحتاج إلى تفويض دولي، عقلي وأخلاقي هما من يقرران ما أفعل»، فهو لا يطلق تصريحاً عابراً بقدر ما يعلن عملياً نهاية مرحلة كاملة من الادعاء الأميركي باحترام النظام الدولي.
هذا التصريح لا يختزل شخصية رئيس بقدر ما يكشف جوهر عقلية القوة حين تتحرر من كل قيد قانوني أو أخلاقي أو أممي.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس عن ترامب وحده، بل عن جدوى المجتمع الدولي نفسه:
ما قيمة الأمم المتحدة؟ ما معنى المواثيق الدولية؟ وما وزن القانون الدولي إذا كان أقوى فاعل في النظام العالمي يعلن صراحة أنه غير معني به؟
ما نشهده اليوم هو انتقال العالم من مرحلة “الهيمنة المغلفة بالقانون” إلى مرحلة “القوة العارية”، حيث لم تعد واشنطن تشعر بالحاجة إلى تبرير أفعالها بلغة الشرعية الدولية، بل تكتفي بمنطق المصلحة المباشرة.
من نفط فنزويلا، إلى تهديد كوبا، مروراً بغرينلاند، وصولاً إلى الضغط والابتزاز السياسي لدول أميركا اللاتينية، يتكرر المشهد ذاته:
دولة واحدة تفرض إرادتها، والعالم يكتفي بالمشاهدة.
الأكثر خطورة ليس فقط هذا السلوك، بل صمت القوى الكبرى الأخرى. فالصين، وروسيا، والهند، وحتى الدول النووية ككوريا الشمالية وباكستان، لم تتجاوز ردودها حدود الاستنكار اللفظي.
هذا الصمت لا يعكس ضعفاً عسكرياً، بل حسابات باردة فكل طرف يخشى أن يكون التالي في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، أو يرى في سلوك ترامب فرصة لإعادة ترتيب نفوذه الخاص في مناطق أخرى.
روسيا تراقب من أوكرانيا وسوريا، الصين تحسب خطواتها في تايوان وبحر الصين الجنوبي، وأوروبا العجوز تبدو عاجزة عن الخروج من ظل المظلة الأميركية، رغم كل خطابها عن الاستقلال الاستراتيجي.
أما الاتحاد الأوروبي، الذي طالما قدّم نفسه حارساً للقيم والقانون الدولي، فقد ثبت أنه بلا أنياب سياسية أو عسكرية قادرة على الردع.
المفارقة أن النظام الدولي الذي شُيّد بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار منطق القوة، بات اليوم عاجزاً أمامه.
مجلس الأمن مشلول بالفيتو، الأمم المتحدة محاصرة بالعجز، والقانون الدولي يُستدعى فقط حين يخدم مصالح الأقوياء، ويُداس حين يتعارض معها.
ترامب هنا ليس استثناءً، بل تجسيداً فاضحاً لما كانت تمارسه القوى الكبرى بصمت. الجديد أنه يقول ما كان يُفعل سراً.
لذلك فإن خطورته لا تكمن فقط في قراراته، بل في شرعنته العلنية لفكرة أن العالم يُدار بإرادة الأقوى، لا بتوافق الدول.
في هذا السياق، يبدو المجتمع الدولي وكأنه مؤسسة شكلية، صالحة للبيانات لا للأفعال، وللإدانة لا للردع.
أما الدول الصغيرة والنامية، فهي الحلقة الأضعف، تُستباح سيادتها تحت عناوين شتى مثل الديمقراطية، الأمن، مكافحة الإرهاب، أو حتى “الأخلاق”.
إن استمرار هذا المسار يعني أننا أمام عالم جديد بلا قواعد، أو بقواعد يضعها الأقوى ويكسرها متى شاء.
عالم تُدار فيه السياسة بمنطق الصفقات، وتُقاس فيه السيادة بحجم القوة لا بشرعية القانون.
والسؤال الأخطر الذي يبقى معلقاً:
إذا كان ترامب لا يحتاج إلى تفويض دولي اليوم، فمن سيحتاج إليه غداً؟
وهل نحن أمام انهيار النظام الدولي، أم مجرد كشفٍ صريح لوهمٍ طالما صدّقناه؟
https://telegram.me/buratha

