المقالات

حين يتكلم ترامب… ويصمت العالم..!


 

حين يقول دونالد ترامب: «لا أحتاج إلى تفويض دولي، عقلي وأخلاقي هما من يقرران ما أفعل»، فهو لا يطلق تصريحاً عابراً بقدر ما يعلن عملياً نهاية مرحلة كاملة من الادعاء الأميركي باحترام النظام الدولي.

 

هذا التصريح لا يختزل شخصية رئيس بقدر ما يكشف جوهر عقلية القوة حين تتحرر من كل قيد قانوني أو أخلاقي أو أممي.

 

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس عن ترامب وحده، بل عن جدوى المجتمع الدولي نفسه:

ما قيمة الأمم المتحدة؟ ما معنى المواثيق الدولية؟ وما وزن القانون الدولي إذا كان أقوى فاعل في النظام العالمي يعلن صراحة أنه غير معني به؟

 

ما نشهده اليوم هو انتقال العالم من مرحلة “الهيمنة المغلفة بالقانون” إلى مرحلة “القوة العارية”، حيث لم تعد واشنطن تشعر بالحاجة إلى تبرير أفعالها بلغة الشرعية الدولية، بل تكتفي بمنطق المصلحة المباشرة.

من نفط فنزويلا، إلى تهديد كوبا، مروراً بغرينلاند، وصولاً إلى الضغط والابتزاز السياسي لدول أميركا اللاتينية، يتكرر المشهد ذاته:

دولة واحدة تفرض إرادتها، والعالم يكتفي بالمشاهدة.

 

الأكثر خطورة ليس فقط هذا السلوك، بل صمت القوى الكبرى الأخرى. فالصين، وروسيا، والهند، وحتى الدول النووية ككوريا الشمالية وباكستان، لم تتجاوز ردودها حدود الاستنكار اللفظي.

هذا الصمت لا يعكس ضعفاً عسكرياً، بل حسابات باردة فكل طرف يخشى أن يكون التالي في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، أو يرى في سلوك ترامب فرصة لإعادة ترتيب نفوذه الخاص في مناطق أخرى.

 

روسيا تراقب من أوكرانيا وسوريا، الصين تحسب خطواتها في تايوان وبحر الصين الجنوبي، وأوروبا العجوز تبدو عاجزة عن الخروج من ظل المظلة الأميركية، رغم كل خطابها عن الاستقلال الاستراتيجي.

أما الاتحاد الأوروبي، الذي طالما قدّم نفسه حارساً للقيم والقانون الدولي، فقد ثبت أنه بلا أنياب سياسية أو عسكرية قادرة على الردع.

 

المفارقة أن النظام الدولي الذي شُيّد بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار منطق القوة، بات اليوم عاجزاً أمامه.

مجلس الأمن مشلول بالفيتو، الأمم المتحدة محاصرة بالعجز، والقانون الدولي يُستدعى فقط حين يخدم مصالح الأقوياء، ويُداس حين يتعارض معها.

 

ترامب هنا ليس استثناءً، بل تجسيداً فاضحاً لما كانت تمارسه القوى الكبرى بصمت. الجديد أنه يقول ما كان يُفعل سراً.

لذلك فإن خطورته لا تكمن فقط في قراراته، بل في شرعنته العلنية لفكرة أن العالم يُدار بإرادة الأقوى، لا بتوافق الدول.

 

في هذا السياق، يبدو المجتمع الدولي وكأنه مؤسسة شكلية، صالحة للبيانات لا للأفعال، وللإدانة لا للردع.

أما الدول الصغيرة والنامية، فهي الحلقة الأضعف، تُستباح سيادتها تحت عناوين شتى مثل الديمقراطية، الأمن، مكافحة الإرهاب، أو حتى “الأخلاق”.

 

إن استمرار هذا المسار يعني أننا أمام عالم جديد بلا قواعد، أو بقواعد يضعها الأقوى ويكسرها متى شاء.

عالم تُدار فيه السياسة بمنطق الصفقات، وتُقاس فيه السيادة بحجم القوة لا بشرعية القانون.

 

والسؤال الأخطر الذي يبقى معلقاً:

إذا كان ترامب لا يحتاج إلى تفويض دولي اليوم، فمن سيحتاج إليه غداً؟

وهل نحن أمام انهيار النظام الدولي، أم مجرد كشفٍ صريح لوهمٍ طالما صدّقناه؟

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
فيسبوك